(أزمة) الإخوان بين الحقيقة والافتراء
أدرك الإخوان المسلمون مبكرا، أن مشروعهم الإسلامي لنهضة الأمة، لا يكفيه نبل الغاية وصدق العاطفة، بل لا بد من تنظيم محكم يتحمل مشقة البناء وتكاليف التدافع، وتتماسك مكوناته من خلال لوائح تتطور كلما دعت الحاجة. فاختلفت بذلك جماعة الإخوان المسلمين عن غيرها من الجماعات الدينية، التي تستند إلى مركزية القائد أو الشيخ وسبقه التاريخي في إدارة شئون الجماعة، إذ غالب ما تفشل تلك المركزية في حماية الجماعة من خطر الانقسام، خاصة إذا اتسعت الأعداد وزاد الانتشار.
التنظيم… حماية من الانقسام
وُضعت أول لائحة لجماعة الإخوان عام 1930 بعد عامين من تأسيسها، وعُدلت عام 1932 بمناسبة افتتاح مكتب للجماعة بالقاهرة، وتم النص فيها لأول مرة على منصب (المرشد العام)، وفي عام 1935 تم إقرار مؤسساتها (مكتب الإرشاد والشورى العام ومجالس الشورى المركزية…). (1)
وكان هذا التنظيم سبباً في تماسك صف الجماعة، فلم تتسبب انشقاقات بعض أعضائه في انقسامها. وقد عبر مرشد الجماعة الدكتور محمد بديع في 2010 أفضل تعبير عن طبيعة العمل المؤسسي داخل جماعة الإخوان، حين تحدث عن مكتب الإرشاد كهيئة تنفيذية، والشورى العام كهيئة للتشريع والرقابة، تحسم الخلاف وتفسر اللوائح (2)
الانقلاب… واستهداف التنظيم
أدرك انقلاب يوليو 2013، دور التنظيم في تماسك جماعة الإخوان ووحدتها، فسعى إلى استهداف مكوناته، كوسيلة للقضاء على الجماعة، أو على الأقل إجبارها على تنازلات مؤلمة، تمس ثوابتها ومبادئها. فتم استهداف أعضاء مكتب الإرشاد، وكذلك الشورى العام، الذي بالإضافة لمهامه التشريعية والرقابية، يقوم باختيار مكتب الإرشاد من بين أعضائه.
وفي المقابل حرصت الجماعة على إعادة بناء ما تَهدَّم من تنظيمها أولا بأول، فبمجرد أن تم إلقاء القبض على المرشد العام للجماعة الدكتور محمد بديع، تم تعيين نائبه الدكتور محمود عزت قائما بأعماله، والذي قام بدوره بتنظيم انتخابات تكميلية لانتخاب أعضاء جدد لمجلس الشورى العام في عام 2016، بدل ممن تُوفي أو أُعتقل. وقد ساعدت تلك الإجراءات الجماعة على امتصاص الضربة، وحفظ التنظيم، ومنع الانقسام. وقد ذكر نائب المرشد آنذاك الأستاذ إبراهيم منير في لقاء تليفزيوني في أبريل 2018، أنه تم انتخاب قيادة جديدة للجماعة وشورى عام جديد في الداخل، وهي التي تمثل جماعة الإخوان المسلمين، ومن بالخارج من الإخوان تابع لمن بالداخل (3)
انتظام إدارة الجماعة
وقامت تلك المؤسسات المنتخبة طوال ثماني سنوات (2013-2021) بإدارة العمل داخل الجماعة في سلاسة وضبط لائحي، دون أن يتحدث أحد عن (اختفاء الهيكل القيادي وغموض عملية إصدار القرارات) أو عن نزاع (حول المادة 5 من اللائحة العامة (2009) في الجزء المتعلق بترتيب ملء الفراغ الناتج عن غياب المرشد) أو شكوى من (تناقضاتٌ في تفسير اللوائح)، أو أن (الانعقاد والتصويت) كان (مُعضلةً مُزمنةً).
وكانت مشاركة أعضاء الشورى العام بالخارج في تلك الاجتماعات، بمثابة إقرار بوجود المجلس واكتمال نصابه والقيام بمهامه. وقد قام الشورى العام – خلال تلك الفترة- بإصدار قرارات منها:
1) تجميد عضوية الدكتور أمير بسام عضو الشورى العام
2) اعتماد الأستاذ إبراهيم منير قائماً بالأعمال (30/8/2020)
3) اعتماد (هيئة) تساعد الأستاذ إبراهيم منير في الإدارة (16/1/2021)
4) تشكيل لجنة ثلاثية لإدارة انتخابات الإخوان المصريين في تركيا (21/8/2021)
لكن منذ أن تم تعيين الأستاذ إبراهيم منير قائما بأعمال المرشد، وتبعه بنحو أربعة أشهر في (16/1/2021) تشكيل الشورى العام لـ (هيئة) من أعضائه في الداخل والخارج، تساعد الأستاذ إبراهيم منير في الإدارة (4) بدأ يظهر إلى العلن ما كان مخبوءا من أزمة، بشأن طريقة إدارة الجماعة، والعلاقة بين مؤسساتها…
الرافضون لقرارات الشورى العام
إذ لم يجتمع الأستاذ إبراهيم منير بهذه الهيئة مكتملة النصاب مرة واحدة منذ تأسيسها! بالإضافة إلى مخالفات أخرى مردُّها جميعا إلى طريقة الإدارة (5)
مما أدى في الأخير إلى إصدار الشورى العام قرارا بإعفاء الأستاذ إبراهيم من مهامه كقائم بالأعمال. وبرغم إصدار الشورى العام بياناً بأسباب قرار الإعفاء، إلا أن جبهة الأستاذ إبراهيم لم ترد على ما جاء فيه! مما يقطع بأن الأزمة لم تكن نزاعا (على الجوانب الإدارية) أو نتيجة لـ (تناقضاتٌ في تفسير اللوائح)! بقدر ما كانت حول طريق الإدارة.
وقد رفض قرار الإعفاء (13 عضوا) من أعضاء الشورى العام! لتنطلق بعد ذلك ادعاءات تشكك في وجود الشورى العام أو اكتمال نصابه!
لنصبح أمام أحد أمرين: إما أن نقبل هذه الدعوى، فنحكم بكذب شهادة الأستاذ إبراهيم منير نفسه! أو أن نرفض هذه الدعوى، ونحكم بصحة القرار وآلية اتخاذه! استناداً إلى شهادة الأستاذ لبرهيم في قناة مكملين (6)
وبرغم أن نسبة إخوان الخارج لا تزيد عن 5 % من مجموع الإخوان المصريين، إلا أن البعض يصر على (شخصنة) الخلاف، فهو بين محمود حسين وإبراهيم منير تارة! وهو بين (جماعة إخوان أون لاين) و (إخوان سايت) تارة أخرى! بالإضافة إلى تجاهل الشورى العام!
وإن أقر – ذلك البعض – بأن الرافضين لقرارات الشورى العام، لم يجدوا ما يستندون عليه لائحياً، سوى التوسع في (الربط بين الإمامة، البيعة، طاعة أولي الأمر والانتخابات، وهي منظومة أفكار أقرب للاستغلال من دون التساند) (7) على حد قوله.
وفي الختام
يظل الاحتكام إلى لوائح جماعة الإخوان، والشهادات الموثقة لقادتها، والمقارنة بين ما قبل قرار الإعفاء وما بعده، خير معبر عن حقيقة الأزمة، وأنها لم تكن تعبيرا عن غياب القانون الحاسم، بقدر ما كان تعبيرا عن رغبة البعض في التفلت من ذلك القانون لتحقيق رؤية أو مشروع خاص، لا يستند إلى أغلبية أو لائحة في جماعة الإخوان المسلمين.
المصادر:
1) لوائح وقوانين الاخوان من التأسيس حتى الانتشار – مركز الدراسات التاريخية – ويكيبديا الاخوان المسلمين – عبده دسوقى
2) https://bit.ly/3Vsxvew
3) https://bit.ly/3u64mdm
4) بيان من أ. إبراهيم منير القائم بأعمال المرشد العام لجماعة الإخوان المسلمين حول التطورات الأخيرة (1.45-2.00)
https://bit.ly/3OLlG0L
5) توضيح واجب – (البند الرابع من ثانيا: تهميش دور المؤسسات وعملها)
https://bit.ly/3GNT8lq
6) المصادر (2)، (3)، (4)
7) ما بين القوسين مأخوذ من مقالة (النزاعات المفتوحة في جماعة الإخوان المسلمين المصرية – د خيرى عمر – العربى الجديد)
https://bit.ly/3VnDzVy